أحمد بن حجر الهيتمي المكي
44
الدر المنضود في الصلاة والسلام على صاحب المقام المحمود
ولك أن تقول : هذا لا ينافي القولين الأولين « 1 » ؛ لأن المغفرة فيه بمعنى الرحمة المخصوصة المراد بها تعظيمه ، والثناء عليه وتشريفه ، والتنويه بعليّ قدره وشرفه بين ملائكته ، مع مزيد الإفضال عليه من سوابغ إنعامه بما يليق بعظيم كماله . فاتضح أنه لا مخالفة في الحقيقة بين هذه الأقوال الثلاثة ، وأن مالها ومرجعها إلى ما ذكرته ، فتدبره « 2 » . ثم رأيت في كلام ابن عطية ما يومىء إليه ؛ فإنه قال : ( صلوات اللّه على عبيده . . رحمته وبركته وتشريفه إياهم في الدنيا والآخرة ، ونشره الثناء الجميل عليهم ؛ أي : فهي تشمل ذلك كله ، لكن الذي لنبينا صلى اللّه عليه وسلم منه هو أكمله وأعلاه وأشرفه وأتمه ) . ومن ثمّ قال بعضهم : ( صلاة اللّه تعالى على خلقه خاصة وعامة ، فهي على أنبيائه الثناء والتعظيم ، وعلى غيرهم الرحمة ، فهي التي وسعت كل شيء ) ا ه ويؤيد ذلك قول الغزالي وغيره : ( إن لفظ الصلاة موضوع للقدر المشترك ، وهو الاعتناء بالمصلّى عليه ) « 3 » . وأما صلاة الملائكة عليه صلى اللّه عليه وسلم : فقيل : هي الدعاء ، ورواه البخاري عن أبي العالية ، وغيره عن الربيع بن أنس والضحاك ، وجرى عليه ابن الأعرابي وابن عطية وغيرهما . - وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما : الدعاء بالبركة ، علّقه عنه البخاري « 4 » .
--> ( 1 ) أي : مجيء الصلاة بمعنى الثناء ، وبمعنى الرحمة . ( 2 ) الذي اعتمده المؤلف رحمه اللّه تعالى في « التحفة » ( 1 / 27 ) : أنها من اللّه الرحمة المقرونة بالتعظيم . ( 3 ) المستصفى من علم الأصول ( 2 / 143 ) . ( 4 ) صحيح البخاري ( كتاب التفسير ) ، باب ( قوله : إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ . . . ) .